ابن الجوزي
371
كتاب ذم الهوى
عن التفوّه به . فقال : قل ولا تجزعن فقال : قال كذا وكذا . فقال اخرج إليه وقل له : إذا كان بعد ثلاث فاحضر لننجز لك ما سألت ، وكن أنت تتولى الاستئذان له . ودعا بخادم . فقال له : امض إلى فلانة ، فقل لها : قد حضر رجل سأل كذا وكذا ، وقد أجبناه إلى ما سأل ، فكوني على أهبة . ثم خرج الفضل إلى الفتى فأدى إليه ما قال الرشيد فانصرف . فلما كان في اليوم الثالث حضر وعرف الرشيد خبره . فقال : يلقى له بحيث أرى كرسيّ من فضة ، وللجارية كرسيّ من ذهب ، وليخرج إليه ثلاثة أرطال . فجلس الفتى على الكرسي والجارية بإزائه يحدثها ، والرشيد يراهما ، فقال الخادم : لم تدخل لتشتوي وتصيف « 1 » ، فأخذ رطلا وخرّ ساجدا وقال : إذا شئت أن تغني فغني : خليليّ عوجا بارك اللّه فيكما * وإن لم تكن هند بأرضكما قصدا وقولا لها ليس الضلال أجارنا * ولكنما جرنا لنلقاكم عمدا غدا يكثر الباكون منا ومنكم * وتزداد داري من دياركم بعدا فغنّت ، ثم شرب الرطل ، وحادثها ساعة فاستحثّه الخادم ، فأخذ الرطل بيده وقال : غنّي ، جعلني اللّه فداك : تكلّم منا في الوجوه عيوننا * فنحن سكوت والهوى يتكلم ونغضب أحيانا ونرضى بطرفنا * وذلك فيما بيننا ليس يعلم فغنته ، فشرب الرّطل الثاني وحادثها ساعة ، فاستعجله الخادم ، فخرّ ساجدا يبكي وأخذ الرطل بيده واستودعها اللّه وقام على رجليه ودموعه تستبق استباق المطر ، وقال : إذا شئت أن تغني فغني : أحسن ما كنا تفرّقنا * وخاننا الدهر وما خنّا
--> ( 1 ) اشتوى : اتخذ شواء . وصاف بالمكان أقام به الصيف .